صديق الحسيني القنوجي البخاري
156
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقوله : أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ بدل اشتمال من الموصول أي أأمنتم خسفة أو على حذف ( من ) أي من أن يخسف ، والمعنى يقلبها متلبسة بكم كما فعل بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون في مناكبها . فَإِذا هِيَ تَمُورُ أي تضطرب وتتحرك بكم على خلاف ما كانت عليه من السكون والاطمئنان ، وقيل : تهوي بهم ، وقيل : تجيء وتذهب ، والأول أولى ، قال الرازي : إن اللّه يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تتحرك فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فتنقلب فوقهم وتخسفهم إلى أسفل سافلين . ثم كرر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر فقال : أَمْ أَمِنْتُمْ إضراب عن التهديد بما ذكر ، وانتقال إلى التهديد بوجه آخر أي بل أأمنتم مَنْ فِي السَّماءِ وهو اللّه سبحانه وتعالى وفيه دليل على علوه ومباينته عن خلقه باستوائه على عرشه . أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أي حجارة من السماء كما أرسلها على قرية قوم لوط وأصحاب الفيل ، وقيل : سحاب فيها حجارة وقيل : ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها ، والكلام فيه كالكلام أن يخسف بكم الأرض فهو إما بدل اشتمال أو بتقدير من . فَسَتَعْلَمُونَ عند معاينة العذاب كَيْفَ نَذِيرِ أي إنذاري بالعذاب أي أنه حق ، قاله المحلي ، وقيل : النذير هنا محمد صلى اللّه عليه وسلم قاله عطاء والضحاك والمعنى : ستعلمون رسولي وصدقه ، والأول أولى . وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من قبل كفار مكة من كفار الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وقوم ولوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس وقوم فرعون والالتفات إلى الغيبة لإبراز الإعراض عنهم . فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب الفظيع ، وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط ، وفيه من المبالغة في تسلية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتشديد التهديد لقومه ما لا يخفى . أَ وَلَمْ يَرَوْا الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدّر أي اغفلوا ولم ينظروا ولم يروا وأجمع القراء على قراءته بياء الغيبة لأن السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل ففيه الغيبة والخطاب إِلَى الطَّيْرِ جمع طائر ويقع على الواحد والجمع ، وقال ابن الأنباري : الطير جماعة وتأنيثها أكثر من تذكيرها ولا يقال للواحد طير بل طائر ، وقلما يقال للأنثى طائرة فَوْقَهُمْ في الهواء صافَّاتٍ حال أي صافة لأجنحتها في الهواء والجو وتبسطها عند طيرانها . وَيَقْبِضْنَ أي يضممن أجنحتهن إلى جنوبهن إذا ضربنها بها حينا فحينا